الحبس الاحتياطي بين النص الدستوري والتطبيق العملي… حين تُختبر العدالة:

 الحبس الاحتياطي بين النص الدستوري والتطبيق العملي… حين تُختبر العدالة:

 بقلم: الأستاذ/ محمد سعفان المحامي بالنقض والمستشار القانوني، المتخصص في القضايا الجنائية والتشريعات الدستورية، وصاحب رؤية قانونية تحليلية حول علاقة النصوص القانونية بالتطبيق العملي وأثرها على الحقوق والحريات.

________________________________________

رغم ما قرره الدستور المصري من ضمانات صريحة لحماية الحرية الشخصية، يظل الحبس الاحتياطي أحد أكثر الإجراءات الجنائية إثارة للجدل، ليس لخطورة الإجراء في ذاته، وإنما للفجوة المتزايدة بين ما تقوله النصوص وما يحدث في الواقع العملي.

فالأصل الدستوري المستقر هو أن الإنسان بريء حتى تثبت إدانته، وأن الحرية هي القاعدة، والحبس هو الاستثناء. غير أن هذا الاستثناء، في كثير من الحالات، بات هو القاعدة الفعلية.

حبس احتياطي… وليس عقوبة

الدستور لم يترك الأمر غامضًا، بل قرر بوضوح أن الحبس الاحتياطي إجراء احترازي مؤقت، هدفه حماية التحقيق، وليس معاقبة المتهم قبل صدور حكم نهائي.

كما ألزم السلطة المختصة بتسبيب قرار الحبس، وكفل للمتهم حق التظلم، وحدد مددًا زمنية لا يجوز تجاوزها.

هذه النصوص لم تُكتب عبثًا، وإنما جاءت لحماية أحد أقدس الحقوق الإنسانية: الحرية الشخصية.

النص القانوني والتطبيق اليومي:

قانون الإجراءات الجنائية نظم الحبس الاحتياطي وحدد مبرراته بدقة، وربطه بمخاطر حقيقية، مثل:

• احتمال الهروب.

• التأثير على الشهود.

• العبث بالأدلة.

كما أتاح بدائل قانونية أقل مساسًا بالحرية، مثل الكفالة أو التدابير الاحترازية.

لكن التطبيق العملي كشف عن توسع ملحوظ في اللجوء إلى الحبس الاحتياطي، حتى في قضايا لا تتوافر فيها مبرراته الحقيقية.

أين تبدأ الإشكالية؟

الإشكال لا يكمن في النصوص، وإنما في:

• التجديد المتكرر للحبس دون تسبيب جدي.

• الخلط بين جسامة الاتهام وخطورة المتهم.

• تحول الإجراء المؤقت إلى حبس طويل الأمد.

وهو ما يطرح تساؤلًا مشروعًا: هل ما زلنا أمام إجراء احترازي، أم أمام عقوبة مقنّعة؟

سلطة القاضي… ومسؤولية التوازن:

لا خلاف على أن للقاضي سلطة تقديرية في تقرير الحبس الاحتياطي، لكن هذه السلطة يجب أن تُمارس في إطار من:

• التسبيب الحقيقي.

• الموازنة بين حق المجتمع وحق الفرد.

• البحث الجاد في البدائل القانونية.

فالقضاء لا يحمي العدالة فقط بإصدار الأحكام، بل أيضًا بحماية الحرية من التعسف.

متى يفقد الحبس الاحتياطي مشروعيته؟

يفقد الحبس الاحتياطي مشروعيته عندما:

• يُستخدم كوسيلة ضغط.

• يمتد دون ضرورة حقيقية.

• يُجدد بصورة آلية.

• يُفرغ قرينة البراءة من مضمونها.

وعندها لا يكون الخطر على المتهم وحده، بل على فكرة العدالة ذاتها.

خاتمة

الحبس الاحتياطي ضرورة لا يمكن إنكارها في بعض الحالات، لكنه يظل استثناءً دستوريًا يجب أن يُحاط بأقصى درجات الحذر.

فالدولة القوية لا تُقاس بقدرتها على تقييد الحرية، بل بقدرتها على حمايتها دون الإخلال بسيادة القانون.

ويبقى احترام النص الدستوري مرهونًا بتطبيقه بروح العدالة، لا بحرفية الإجراء.

إرسال تعليق

أحدث أقدم