الدوقة نيڤين الجمّل من لمبيرتون: صوت هادئ للسلام يعبر من بريطانيا إلى العالم
في عالم تتكاثر فيه الأزمات، وتشتد فيه الاستقطابات، وتعلو الأصوات على حساب الحكمة، تبرز الدوقة نيڤين الجمّل من لمبيرتون كحضور مختلف في المشهد العام والدبلوماسية المدنية؛ حضور لا يستمد قوته من الصخب، بل من المعنى، ولا يقوم على الاستعراض، بل على الاتساق الأخلاقي والهدوء العميق.
وُلدت نيڤين الجمّل في الجيزه بمصر، وعاشت في المملكة المتحدة لأكثر من عقدين، حيث تشكّلت رؤيتها الإنسانية والفكرية عبر تفاعل حيّ بين ثقافات متعددة، وأنظمة قانونية مختلفة، وقيم إنسانية مشتركة. هذا الامتداد الجغرافي والفكري منحها قدرة نادرة على الربط بين الشرق والغرب، وبين نصّ القانون وصوت الضمير، وبين الواقعية السياسية والبعد الإنساني.
ويرتبط اسمها بلمبيرتون لا بوصفه ادعاءً قانونيًا أو سياسيًا، بل باعتباره رمزًا تاريخيًا وأخلاقيًا؛ رمزًا للاختيار بكرامة، وللسلام الذي يولد من المسؤولية، لا من الصراع.
لمبيرتون… المكان الذي صار معنى
تقع لمبيرتون في مقاطعة بيرويكشير، ضمن ما يُعرف اليوم بمنطقة الحدود الاسكتلندية في المملكة المتحدة، بالقرب من الحدود الإنجليزية وعلى مقربة من مدينة بيرويك أبون تويد. وهي قرية بريطانية ضاربة في التاريخ، تعود جذورها إلى العصور الوسطى، وكانت عبر قرون طويلة نقطة عبور حساسة بين اسكتلندا وإنجلترا، ومسرحًا لتحولات إنسانية وقانونية تركت أثرها في الذاكرة البريطانية.
غير أن شهرة لمبيرتون لم تأتِ من موقعها الجغرافي وحده، بل من رمزيتها الإنسانية العميقة. ففي القرنين السابع عشر والثامن عشر، حين كانت القوانين الإنجليزية تقيّد زواج الشباب بضرورة موافقة الأهل، كانت اسكتلندا تسمح بالزواج بالإقرار الحر. عندها، عبر كثير من العشّاق الحدود إلى لمبيرتون، بحثًا عن حق بسيط: أن يختار الإنسان شريك حياته بإرادته.
وتحكي الروايات الشعبية أن شابًا إنجليزيًا وفتاة من أسرة صارمة قطعا الطريق ليلًا، سيرًا على الأقدام، تحت المطر والبرد، حتى وصلا إلى أول حجر عند بوابة لمبيرتون (Lamberton Toll). هناك، وفي لحظة صمت، أمسكا بأيدي بعضهما وأعلنا التزامهما أمام شاهدين. لم يكن هناك احتفال، ولا ذهب، ولا ضجيج—فقط قرار حرّ وحب شجاع. تلك القصة، وإن لم تُسجَّل باسم، تشبه مئات القصص التي جعلت من لمبيرتون ذاكرةً حيّة للحب الذي يختار الحرية.
هكذا دخلت لمبيرتون التاريخ بوصفها موطنًا لما عُرف بـ«زيجات لمبيرتون»، وأصبحت رمزًا للالتزام الذي يولد من الإرادة لا من الإكراه، وللعلاقة التي تقوم على الشجاعة لا الخضوع. ومن هنا ارتبط اسمها روحيًا بمعانٍ عميقة: الاختيار، الاستقلال، الوحدة، الجرأة الأخلاقية، وعبور الحدود من أجل الحقيقة.
وكانت بوابة لمبيرتون أول موطئ قدم داخل اسكتلندا لأولئك القادمين بحثًا عن حياة جديدة؛ مكانًا انتقاليًا يفصل بين ماضٍ يُترك خلفه، ومستقبل يبدأ بقرار واعٍ. لذلك وصفها مؤرخون كُثُر بأنها «العتبة بين عالمين»—لا من حيث الجغرافيا فقط، بل من حيث المصير.
وبحكم موقعها الحدودي، عرفت لمبيرتون فترات من الاضطراب والصراع، وشهدت تحولات سياسية واجتماعية، ونشأ أهلها على الصلابة، والقدرة على التكيّف، والاستقلال. لم تكن أرضًا رخوة، بل مكانًا صاغ أرواحًا قوية تعرف معنى الصبر والكرامة، وتفهم أن السلام ليس ضعفًا، بل اختيارًا شجاعًا.
أما اسم لمبيرتون نفسه، فيُرجّح أن يجمع بين كلمة Lamb التي ترمز إلى النقاء والرحمة، وton التي تعني المستوطنة أو المكان المسوّر، ليحمل دلالة شاعرية عميقة: «مستوطنة الحمل» أو «مكان السلام داخل أرض قاسية»—توازن نادر بين القوة والرحمة.
ومن دون أي ادعاء حديث، ظل اسم لمبيرتون عبر التاريخ رمزًا أخلاقيًا للسيادة على الاختيار، والاتحاد المقدّس، والشجاعة المعنوية، والقوة الهادئة التي لا تحتاج إلى فرض أو عنف، بل تستمد شرعيتها من الضمير.
قيادة بلا صخب… ورسالة تتجاوز الحدود
تشغل الدوقة نيڤين الجمّل من لمبيرتون مناصب قيادية في مجالات حقوق الإنسان والدبلوماسية المدنية، من بينها منصب المديرة الإقليمية في لندن لدى المعهد الأمريكي للدبلوماسية وحقوق الإنسان بواشنطن، إضافة إلى دورها كسفيرة سلام مع منظمات دولية تُعنى بالحوار بين الأديان والثقافات وتعزيز الكرامة الإنسانية.
وتتميّز بنهج هادئ يرفض الصدام، ويؤمن بأن النفوذ الحقيقي لا يُفرض، بل يُكتسب عبر الاتساق بين القول والفعل، والعمل المؤسسي طويل النفس، وترك الأثر ليتحدث بدلًا عن صاحبه.
وإلى جانب حضورها الدولي، تُعد نيڤين الجمّل أمًا، وتضع مفهوم المسؤولية الأسرية في قلب رؤيتها للسلام المجتمعي، إيمانًا منها بأن بناء إنسان متوازن هو البداية الحقيقية لبناء عالم أكثر عدلًا.
في زمن تُختزل فيه القيادة في القوة الصلبة، تقدّم الدوقة نيڤين الجمّل من لمبيرتون نموذجًا آخر:
قوة أخلاقية،
حضور متزن،
ورسالة سلام تنطلق من بريطانيا لتصل إلى العالم.
إنها لا تسعى إلى الألقاب بقدر ما تحمّل الاسم معنى،
ولا تطلب الاعتراف بقدر ما تجسّد المسؤولية.
